الدولة العُمانية.. وعوامل التحضر الراسخ

د. حازم محمد مقدادي

كلية عُمان للإدارة والتكنولوجيا


إنَّ المُقيمين في سلطنة عُمان من أولئك الرهط الذين تنوعت تجاربهم واختلفت سُبُلهم في أرض الله بين مشرقٍ ومغربٍ، وأنعم الله عليهم بنعمة العيش في بقاع متنوعة، والتعرف على حضارات وتجارب إنسانية مُتباينة، ليستطيع أن يدرك العوامل الذاتية، والظروف الموضوعية التي منَّ الله بها على سلطنة عُمان، بل وهيأها لها لتسير بثبات على طريق التَّحضر بوعي عميق، ونضج كبير.

فالطارف في رحاب السلطنة لا يحتاج كثيراً من الوقت ليتحسس خصوصية المكان، وروعة الزمان الذي ذابت به كثير من عوامل التنوع في مزيج فريد لم يزد هذه السلطنة غير بهاء على بهاء، وعبقاً من عبق. إذ إنَّ الزائر الذي تدبّ خُطاه في جنبات مطار مسقط الدولي، وتحتار نظراته وهي تتقافز من جمال إلى جمال داخل هذا البنيان البهيّ رمزا للنهضة والعُلُو، لتختلط في ذهنه كثير من التساؤلات التي لا تلبث طويلاً حتى يحسمها وقوع عين الناظر على شعار السلطنة الأثير، ذلك الشعار الذي قبِلَهُ أهلُها بكل فخر، وسامَ شرفٍ بعد أن اختاره لهم النبيُّ الأعظم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حين قال واصفاً أهلَ عُمان:"لوأنَّ أهلَ عُمان أتيتَ ما سبُّوك ولا ضربوك"، صدق رسول الله الذي لا ينطق عن هَوَىً وما كانت له خائنة أعين. شعارٌ عظيم كان من شأنه أن أطَّرَ السلوك والتعامل في كل جزء مِن هذا المجتمع. فبات التعايش والتنوع، وقبول الآخر من بعض السمات الراقية التي تَمَيَّزَ بها أهلُ هذا البلد، وطرقُ العيش به. مما وفَّر ظروفاً حاسمة لا غِنَىً عنها لأيِّ أُمَّة في مسيرتها على طريق التحضر والمدنية المُبْتغاة. فطريقة مُمارسة الحياة بشكل يومي لتدل بوضوح لا لبس فيه، على مستوى حضاري مهم وإنساني سامٍ.

ومما يزيد من أهمية المُنجَزِ الوطني في السلطنة، هو ما حباها الله به من أمن وأمان، فغدت السلطنة حوزة حقيقية للطمأنينة والرخاء. ففي الوقت الذي نتابع فيه العالمَ وهو يموج باضطرابات عظيمة، تُنذر بتحولات محورية، لا يدرك جُلُّنا ماهيتها، نجد السلطنة وقد أصبحت نموذجاً فريداً للاستقرار العميق، والتعايش المتأصل، مما يُبشر بمزيد من الرفاه الذي يُعظّم الأمل في نفوس كل من يعيش على أرضها المعطاءة. كيف لا، وقد انتهجت السلطنة بقيادتها الرشيدة، وتاريخها الضارب في عمق الحضارات التي توالت عليها، انتهجت سبيلاً واضحاً وأسلوباً ناضجاً في إدارة مختلف القضايا، بصبر متميز، وأنَاة لافتة، نبراسها في هذا كله تقديم مصلحة مكونات هذا الوطن على ما سواها، وتجنيب هذا الكيان أيما ويلات قد تطاله لا قدَّر الله. إذ نلمس اليوم مسيرة النهوض وفق قناعة متجذرة لا ترى تنافيا بين التحضر المَرجُو وبين الأصالة التي تشكل هوية الدولة ومختلف تفاصيلها، على ما لهذه الأصالة من بساطة تشكل ملامح المجتمع العماني مما من شأنه إثراء المنجز الحضاري وتعميق أسسه يما يضمن استمراره وتوارثه عبر الأجيال، خصوصا وأنه تحضر يأتي استجابة للظروف الحقيقية من الداخل العماني نفسه، والمحيط العربي والدولي.

فرأينا فيما رأينا على مدى عام ونصف العام من إقامتنا في هذا البلد الطيب، الدولة العُمانية بجميع مكوناتها وهي تخوض غمار الاستحقاق الانتخابي والذي تَمَثَّلَ جليّاً بانتخابات مجلس الشورى للفترة التاسعة. استحقاق لم تحل دونه كل التحديات التي يعج بها المحيط الساخن للسلطنة، فكانت الانتخابات دليل قوة للدولة، ووعي للشعب الذي ضرب أرقى الأمثلة في استجابته لهذا الاستحقاق كمسؤولية وطنية وواجب مقدس تجاه خدمة هذا الوطن وتعزيز منجزاته؛ بل والحرص عليه كحصن منيع للذود عنه وعن مستقبله. فتابعنا كغيرنا كل ما سبق الانتخابات من أحداث وما تخللها من إجراءات وما تبعها من أفعال لم يكن أيٌ منها إلا دليل يُعزز قناعتنا التي باتت أكيدة بنضج التجربة الانتخابية التي شكّلها شعبٌ عريق تحكمه دولة رشيدة. فتَرَفَّعَ الشعبُ عن أية فِعال أوتصرفات من شأنها أن تمس النهج السلمي في التعبير والتداول، أو أن تسيئ له عبر تصرفات قاصرة أو غير مسؤولة تسعى لمصادرة الحق المكفول للأفراد بخوض الانتخابات ترشحاً أوانتخاباً، فكانت النتائج مقبولة وبصدوع لافت من قبل الجميع برحابة صدر استثنائية. فلم تنعكس آثار تلك الانتخابات بتاتاً على تفاصيل الحياة اليومية. مما زاد النسيجَ الاجتماعي تماسكاً وترابطاً كأساس متين لمستقبل عظيم لا حدود له، عبر علاقة عميقة بين مختلف أطياف هذا الشعب الذي اتفق على أن الطيف الواحد هو طيف الوطن، والهمّ الوحيد هو رِفْعَتُه.

ثم ما لبثنا أن شهدنا حدَثا جللا لم نتخيل يوماً أن يحدث ونحن شهود نلمسه ونستشعره. عندما غادَرَنَا جلالة السلطان قابوس رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، فانحبست الأنفاس وشخصت الأبصار في ترقب وارتياب. وفي الوقت الذي فيه تُراق الدماء وتزهق الأرواح في غير مكان حولنا اقتتالا على السلطة والقيادة، نجد قادة هذا الوطن ومؤسساته يضربون أروع الأمثلة في السلمية والزهد بالسلطة؛ بل والحرص على تكريم السُّلطان الراحل عبر تنفيذ آخر وصاياه، وتثبيت من أشار به السلطان قابوس، وتنصيب حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- ليكون خيرَ خلفٍ لخير سلف. فكأننا بهذه الكوكبة وهي تقتطع لصالح الغدِ واليومِ بضعَةً من أمْسِها، ولصالح المجموعة قِطْعَةً من نفسِها؛ إذ إن المتابع لعملية انتقال الحكم وللعملية الانتخابية بكافة تفاصيلهما، ليتحسس العامل الأهم في الدولة العُمانية والذي يشكل الركن الأساسي والراسخ في بنيان هذا الوطن، ألا وهو سيادة القانون الذي يُعزز قِيَم الدولة ويُحيِّد كل ما هو سواها من رؤى قاصرة أو مصالح ضيِّقة، بل ويشكل الضامن الحقيقي لمسيرة هذا الوطن وآمال أبنائه وأجياله القادمة.

إنَّ السلمية بمختلف تفاصيلها، تلك التي انتهجتها الدولة واستجاب لها الشعب، لتشكل مؤشرا حقيقيا للحصاد الحضاري في السلطنة، إذ عايشنا بكل جوارحنا مظاهر حصيفة في تداول السلطة وتجربة رصينة في الحكم تكاد تبُزُّ نظيراتها في أكثر الديمقراطيات تطوراً وتقدماً. فلا يسعنا، ونحن من أولئك الذين حباهم الله بالعيش على ثرى هذا البلد العربي العروبي، وتفيأنا ظلاله أمناً ورخاءً..

لا يسعنا إلا أن نبتهل إلى المولى عزّ وجلّ وندعو له دعاء خليل الله إبراهيم بعد إعمار بيت الله العظيم؛ حيث استجاب لربه ودعاه: "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" صدق الله العظيم.


Share this post
Archive
توقيع مذكرة تفاهم وتعاون مع جامعة جدارا الاردنية